في مديح القضايا الخاسرة

سمير اليوسف كاتب فلسطيني
لفرط حظه السيء، فإن بعض الناس يظن بأن القديس يهوذا المغمور، هو نفسه التلميذ يهوذا الإسخريوطي الذي خان المعلم لقاء ثلاثين قطعة من الفضة. حتى صفة “القديس” التي تسبق اسمه لم تشفع له أمام سلطة الجهل. خسارة أخرى من سلسلة خسائره المتتالية وهو شفيع القضايا الخاسرة.
والقضايا الخاسرة كثيرة ومختلفة الطبيعة على مرّ التاريخ. هي قضايا أفراد وجماعات، من خلال مساعٍ لا طائل تحتها، جهود فردية أو مشتركة حثيثة سلميّة أو بواسطة العنف، ثورات وانتفاضات وحروب.. كلها منذورة لإله الإخفاق والفشل. والعبارة التي تسجّل الخسارة متشابهة رغم اختلاف الأمكنة والعصور. ثمة خيطٍ غير مرئي ما بين بيتي أمرئ القيس الشهيرين:
“بكى صاحبي لما رأى الدرب دوننا/ وأيقن أنا لاحقان بقيصرا/ فقلتُ له لا تبكِ عينكَ إنما/ نحاول مُلكاً أو نموت فنعذرا”
وبين البرقية اللاسلكية التي أرسلها جندي في الجيش الجمهوري إبان الحرب الأهلية الإسبانية الى قائده: “إعلم أيها الرفيق القائد بأننا حينما نتوقف عن إطلاق الرصاص إعلم بأن الذخيرة قد نفذت.. إعلم بأننا بدأنا نموت”
والفكرة لم تغب عن الإنظار منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن. هناك أولا رواية توماس هاردي “جود المغمور” التجسيد الحديث لقصة يهوذا المغمور، وحيث كل جهد يقوم به بطل الرواية يُمنى بفشل ذريع.
وهناك مقالة أدوارد سعيد قبيل وفاته بوقت قصير يتحدث فيها عن “قضية فلسطين” وكتاب الفيلسوف المحافظ روجر سكروتن مدافعاً عن رياضة الاستقراطيين في صيد الثعالب وكتاب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جِجِك مُتبنياً قضية الشيوعية بعد سقوط جدار برلين وبعدما صار اليساريون أنفسهم يخجلون من الإشارة العابرة إلى الحلم الإشتراكي.
لماذا يُدافع البعض منا عن القضايا الخاسرة؟
روح التمرد التي ترفض الخضوع والإقرار بالهزيمة؟ التشبث بالأمل رغم انعدام الأمل؟ الثقة برحمة الله حتى الرمق الأخير؟
الدفاع عن القضايا الخاسرة ديدن النبلاء من البشر. النبيل يُفضّل الهزيمة. فهو يولد منتصراً ولا يحتاج الى الانتصار او الربح. إنما الانتصار والاحتفاء بالانتصار هو ضرب من السوقية والبذاءة. وهذا سعي الدهماء الفاقدة للهوية، وأبناء الطبقة المتوسطة، خوفاً من الهبوط إلى الطبقات الدنيا أو رغبة في بلوغ الأعلى.
النبيل هو من يرفض أن يحسب مواقف البشر الإستثنائية بمعيار الربح والخسارة. النبيل هو صاحب الوعي الشجاع بأن المأساوي قدر لا مفر منه. هذا وعي انتيغونا ووعي هملت وعي كل إمرأة ورجل وقف في وجه السلطان الجائر وهو يعلم تمام العلم بأنه يخوض معركة خاسرة.

شاهد أيضاً

الإنفلات الثقافي

مقال بقلم / محمد فتحي شعبان مدخل المتابع لمجريات الأحداث يشهد بوضوح تمييعا لثقافتنا وهويتنا …

%d مدونون معجبون بهذه: