أخبار عاجلة

البعد الاجتماعي والأخلاقي في مسرحية ” نادر والعلامات ” للكاتبة المسرحية صباح برَّاشيدي .

بقلم إبراهيم موسى النحَّاس :

في مسرحيتها الجديدة ( نادر والعلامات ) تتجه الكاتبة المسرحية ” صباح برّاشيدي ” اتجاهاً أخلاقياً يقوم على إعلاء قيم الحق والمحبة والاحترام وتقديس العمل والمرأة والأم , وقد قسَّمت الكاتبة مسرحيتها إلى ثلاثة فصول , وكانت شخصية نادر هي الشخصية المحورية أو بطل المسرحية الذي بدأ حياته مُعلِّماً , ومن هذا المدخل تناولت المسرحية الكثير من القضايا الاجتماعية التي يعاني منها مجتمعنا العربيّ , مثل تدنِّي أخلاق الطلاب وعدم احترامهم معلميهم من خلال أسلوب شخصية الطالب سامح مع معلمه نادر , كما تناولت المسرحية فساد النظم الإدارية حين يتم الاستغناء عن عمل نادر في المدرسة بسبب نفوذ والد الطالب سَيِّء الخُلق , وتعرَّضت المسرحية لأزمة البطالة بين الشباب , وفي مقابلها إعلاء قيم العمل والصبر والاجتهاد والكفاح , لكن أهم قضية عالجتها المسرحية وسلّطتْ الضوء عليها هي معاناة المرأة في المجتمع العربيّ , بفكره الذكوريّ الذي يهضم حقوقها من خلال شخصية أم سامح التي عانت كثيراً من ظلم زوجها , حتى قام بتطليقها , وزاد من جرائمه معها بجريمة أكبر هي إخفاء مسألة تطليقه لها عن الابن وإيهامه أنها امرأة فاسقة هربت مع عشيقها فيكرهها ابنها طوال حياته ويُخرج عقده النفسية على كل فتاة يعرفها حتى الفتاة بشرى في بداية لقائهما وعملها سكرتيرة في شركته حتى يتزوجها في النهاية وتعود الأم والحياة لطبيعتها بعد أن يعرف نادر أنّ كل أفكاره عن أمِّه كانت خاطئة , وأنَّ تلك النهاية السعيدة هي الكنز الحقيقي والتفسير للحلم الذي كان يحلم به كثيراً في نومه . وعلى المستوى الفنيّ يحمد للكاتبة الدقة في رسم الشخصيات بشكل منطقيّ يقوم على إقناع القارئ بالشخصية المسرحية , كما نجد التوظيف الجيِّد للغة الحوار من حيث سلامة بنيتها اللغوية وتنوُّع الجملة المسرحية بين الطول والقِصَر بما يتناسب مع طبيعة الموقف الذي تقال فيه من ناحية ومع طبيعة الشخصية المسرحية التي تنطقها من ناحية ثانية, مع الرُقِيّ في التعامل مع اللغة فتقوم على توظيف المجاز مثل قولها على لسان الأم حبيبة وهي تحكي مأساتها مع زوجها والد نادر : (( بقيت لأكثر من ثماني سنوات على هذه الحال ألملم ألامي وآهاتي دون أيِّ ذنبٍ سوى أنِّي امرأةٌ مغلوبةٌ على أمرها )) . واستطاعت الكاتبة أن تضع في بداية كل فصل صورة من صور السرد القريب من لغة السيناريو لتضع القارئ في قلب الحدث بفكره وخياله معاً قبل أن تبدأ في الحوار المسرحيً , ممّا يؤكد قدرتها على كتابة فن السيناريو بنفس قدرتها على كتابة فن المسرحية , مثل تلك البداية للفصل الأول والتي تقول فيها : ((الساعة الثامنة صباحاً… دخول التلاميذ بطريقة فوضوية، صوت جرِّ الكراسي و الطاولات لا يطاق،حالة هرج ومرج تسيطر على المشهد داخل القِسْم كالعادة… )) فيتدرج الحدث المسرحي وصولاً لنقطة الصراع المتمثّلة في غضب نادر الشديد من أمَّه ورغبته في عدم وجودها في بيته رغم مرضها وإصرار زوجته بشرى على بقائها حتى نصل لحل العقدة المسرحية ويتكشَّف الصراع في النهاية . ومن أجل الأمانة التاريخية والعلمية وضَّحتْ الكاتبة أنَّ مسرحيتها مقتبسة من إحدى روايات الكاتب البرازيلي باولو كويلو Paulo Coelho وهي رواية ( الخيميائي ) فأفردت الكاتبة تلخيصاً رائعاً لتلك الرواية مع عرض لسيرته الذاتية , وهنا يجب أن أقوم بتوضيح نقطة فنيَّة هامة هي أنَ اقتباس الكاتبة مسرحيتها من رواية باولو كويلو لم يكن على مستوى الشخصيات ولا على مستوى الحدث الأساسي للمسرحية , لكنه كان اقتباساً لنقطة واحدة مرتبطة بشخصية البطل في العملين وهي أنَّ كُلَّا منهما له كنزه الذي يبحث عنه , مع وجود الإشارات التي تدلُّ البطل على هذا الكنز حتى يصل إليه في النهاية , من هنا فالمسرحية خَلْقٌ فنيٌّ شبه مُستقِل تعرض الكثير من قضايا واقعنا العربيِّ الاجتماعيِّ في بناءٍ مسرحيّ مكتمل العناصر الفنيَّة على مستوى اللغة والجملة المسرحية والحوار وتدرُّج الحدث والصراع .

شاهد أيضاً

تكريم إبراهيم الشيخ في ذكرى ميلاد “رخا.. المعلم الأول” بـ بيت السناري

محمد على     نظم مشروع ذاكرة الكاريكاتير التابع للمجلس الأعلى للثقافة، بالتعاون مع موقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *