مقالات وتحقيقات
التدخل العسكري وتآكل مبدأ السيادة
بقلم حماده جمعه
يقوم النظام القانوني الدولي على توازن دقيق بين سيادة الدول وحظر استخدام القوة، بما يضمن عدم إخضاع العلاقات الدولية لمنطق الهيمنة أو الإكراه. ومن ثم، فإن أي تدخل عسكري مباشر في إقليم دولة ذات سيادة دون رضاها أو دون تفويض صادر عن مجلس الأمن يشكل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي العام، ويمس جوهر الاستقلال السياسي للدول، بالمخالفة لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن التذرع بالدفاع الشرعي عن النفس لا يستقيم قانوناً إلا بتوافر شروط صارمة، في مقدمتها وقوع هجوم مسلح فعلي، وأن يكون الرد ضرورياً ومتناسباً. وقد استقر قضاء محكمة العدل الدولية على أن الاتهامات السياسية أو الجنائية، أو الادعاء بوجود تهديد محتمل، لا تبرر اللجوء إلى القوة المسلحة ولا تنشئ حقاً في تجاوز أحكام الميثاق، وهو ما أكدته المحكمة صراحة في حكمها في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية (1986) عندما قررت أن استخدام القوة أو التدخل العسكري لا يكتسب مشروعيته إلا في حال توافر شروط الدفاع الشرعي وفقًا للمادة 51 من الميثاق.
ويضاف إلى ذلك أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة دولية شخصية تحول دون اتخاذ أي إجراءات قسرية بحقهم من قبل دولة أجنبية أثناء توليهم مناصبهم، كما أن إعلان إدارة شؤون دولة أخرى، ولو مؤقتاً، يضع الدولة المتدخلة في مركز السلطة القائمة بالاحتلال وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، بما يرتب مسؤولية دولية كاملة. وفي ضوء ذلك، يظل احترام السيادة وحظر استخدام القوة هو المعيار الحاكم لشرعية الأفعال الدولية، بعيداً عن منطق القوة واعتبارات الهيمنة، ويظل القانون الدولي، في كثير من الأحيان، مقيد الفاعلية أمام سياسات الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولا سيما في ظل الاستخدام التعسفي لحق النقض (الفيتو)، بما يحد من قدرة المجتمع الدولي على إنفاذ قواعد الشرعية الدولية على نحو متكافئ.


